عمر فروخ

533

تاريخ الأدب العربي

انظر إلى الوادي الذي مذ غرّدت * أطياره شقّ النسيم ثيابه « 1 » . أتراه أطربه الهديل ، وزاده * طربا - وحقّك - أن حللت جنابه « 2 » ؟ - وله في غلام استقرّ على شفتيه شيء من المداد ( الحبر الأسود ) من أثر وضع القلم على الفم لتبليله بشيء من الريق ليصبح الحبر بذلك أكثر ميعا وسيلانا وجريا : يا عجبا للمداد أضحى * على فم ضمّن الزلالا « 3 » ، كالقار أضحى على الحميّا * والليل قد لامس الهلالا « 4 » . - واتّفق أن حضر أبو القاسم بن البرّاق مجلس بعض الملوك الأكابر « 5 » فأمر ذلك الملك أن يقدّم الساقي له كأسا من الخمر مشاركة للحاضرين ، فانقبض ابن البرّاق عند ذلك واشمأزّ . واتّفق في تلك اللحظة أن انشقّت صراحية ( إناء للخمر ) وسال ما فيها . فتشاءم الملك من ذلك وحزن ، فأنشد ابن البرّاق من فوره على البديهة : ومجلس بالسرور مشتمل * لم يخل فيه الزجاج عن أرب « 6 » . سرى بأعطافه ترنّحنا * فشقّ أثوابه من الطرب « 7 » . فسرّ الملك وزال ما به . - من « القرارة اليثربيّة بشرف الأحناء القدسيّة » ( في مدح رسول اللّه وصحابته ) لأبي القاسم بن البرّاق الهمدانيّ الوادياشيّ :

--> ( 1 ) الوادي : النهر . ( 2 ) الهديل : صوت الحمام . حللت جنابه : نزلت ( سكنت ) في أحد أطرافه . ( 3 ) الزلال : الماء الصافي العذب . ( 4 ) القار : الزفت . الحميّا : الخمر . العادة أن تختم آنية الخمر بالزفت . ( 5 ) الملوك الأكابر يمكن أن يكونوا الرجال الأغنياء من ذوي المكانة في قومهم . ( 6 ) مشتمل ( محاط ) . الأرب : الحاجة ، البغية ، الأمنية . ( 7 ) سرى ( هنا ) : انتشر . العطف ( بالكسر ) : الجانب الأعلى من البدن . الترنّح : التمايل ( من السكر أو الضعف ) . شقّ الثوب كناية عن شدّة السرور والانفعال .